أحمد بن عبد المؤمن بن موسى القيسي الشريشي

104

شرح مقامات الحريري

المعروف بابن سمعون ، الواعظ . وكان وحيد عصره وفريد دهره في الإخبار عمّا هجس في الأفكار ، وليّا من الأولياء الأخيار ، كلامه في الوعظ نافع ، ونصحه في القلوب ناجع ، ومجاله في تصاريف الكلام على الخواطر رحب واسع . وكان يقال له : الشيخ المنطق بالحكمة . وحدّث أبو الطاهر محمد بن عليّ العلاف قال : حضرت ابن سمعون يوما وهو في مجلس الوعظ على كرسيّه ، وكان أبو الفتح القوّاس جالسا إلى جنب الكرسيّ ، فغشيه النعاس فنام ، فأمسك أبو الحسن عن الكلام ساعة حتى استيقظ أبو الفتح ورفع رأسه ، فقال له : رأيت النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم في نومك ؟ فقال نعم ، فقال أبو الحسن : لذلك أمسكت عن الكلام خوفا أن تنزعج وتنقطع عن الكلام الذي كنت فيه . وذكر أبو عليّ الهاشميّ ، قال : حكى لي مولى الطائع للّه تعالى ، قال : أمرني الطائع أن أوجّه إلى ابن سمعون فأحضره دار الخلافة ، ورأيت الطائع على صفة من الغضب - وكان يتّقى في تلك الحال ، لأنّه كان ذا حدّة - فبعثت إلى ابن سمعون وأنا مشغول القلب لأجله ، فلما حضر ، أعلمت الطائع حضوره - فجلس مجلسه ، وأذن له في الدخول فسلّم عليه بالخلافة ، ثم أخذ في وعظه فأوّل ما ابتدأ به أن قال : روي عن أمير المؤمنين عليّ ابن أبي طالب رضي اللّه عنه . . . وذكر خبرا ، ولم يزل يجري في ميدان الوعظ حتى بكى الطائع وسمع شهيقه ، وابتلّ منديله بين يديه بدموعه ، فأمسك ابن سمعون حينئذ ، ودفع إليّ درجا فيه طيب وغيره ، فدفعته إليه وانصرف . وعدت إلى الطائع ، وقلت : يا مولاي ، رأيتك على صفة من الغضب على ابن سمعون ، ثم انتقلت عنها عند حضوره ، فما السبب ؟ فقال : رفع إليّ أنه ينتقص عليّا رضي اللّه عنه ، وأحببت أن أتيقّن ذلك ، فإن صح منه قلته ، فلمّا حضر بين يديّ افتتح كلامه بذكره والصلاة عليه ، وأعاد في ذلك وأبدى ، وقد كان له مندوحة في الرواية عن غيره وترك الابتداء به ، فعلمت أنه وفّق لما تزول به عنه الظنّة ، وتبرأ ساحته عندي ، ولعله كوشف بذلك . وله كتاب المجالس وهو كله أحاديث متصلة الأسانيد . ومن كلامه أن القلب بمنزلة المرآة فإذا أصابتها لطخة عولجت بالزّيت ، فإذا زادت زيد فيها من حتات الآجرّ ، فإذا زادت جليت بالحديد ، فإذا زادت على ذلك حتى ركبها الصدأ لم يكن لها بدّ من عرضها على النار حتى يتم جلاؤها . توفّي ابن سمعون في ذي القعدة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة ، ودفن بداره بشارع العباسي ، فلم يزل هناك حتى نقل يوم الخميس الحادي عشر من رجب سنة ست وعشرين وأربعمائة ودفن بباب حرب ببغداد . وقيل : إن أكفانه لم تكن بليت بعد . * * * فلم يتكاءدني لاستماع المواعظ ، واختبار الواعظ ؛ أن أقاصي اللّاغط ،